كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13)}
قوله: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً}: {رهبةً} مصدرٌ مِنْ رُهِبَ المبنيِّ للمفعولِ، فالرهبةُ واقعةٌ من المنافقين لا مِنْ المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشدُّ مرهوبيَّةً في صدورِهم من اللهِ فالمخاطبون مَهوبون، وهو كقول كعبِ بن زهير رضي الله عنه في مَدْح رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:
فَلَهْوَ أَخْوَفُ عندي إذا أُكَلِّمُهُ ** وقيل: إنك محبوسٌ ومقتولُ

مِنْ ضَيْغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُه ** ببَطْنِ عَثَّر غِيْلٌ دونَه غِيْلُ

و{رُهْبةً} تمييز.
{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)}
قوله: {جَمِيعًا}: حالٌ و{إِلاَّ فِي قُرًى} متعلقٌ ب {يُقاتِلونكم}.
وقوله: {جُدُرٍ} قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو {جدار} بالإِفرادِ. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه أرادَ به السُّوْرَ، والسُّوْرُ الواحد يَعُمُّ الجميعَ من المقاتِلةِ ويَسْتُرهم. والثاني: أنه واحدٌ في معنى الجمع لدلالة السِّياقِ عليه. والثالث: أنَّ كلَّ فِرْقة منهم وراءَ جدار، لا أنَّهم كلَّهم وراءَ جدار. والباقون قَرَؤُوا جُدُر بضمتين اعتبارًا بأنَّ كلَّ فِرْقةٍ وراءَ جدار، فجُمِعَ لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويُرْوى عن ابن كثير وعاصمٍ بضمةٍ وسكونٍ، وهي تخفيفُ الأُولى. وقرأ ابن كثير أيضًا في وراية هارونَ عنه، وهي قراءة كثيرٍ من المكيين {جَدْرٍ} بفتحة وسكون فقيل: هي لغةٌ في الجِدار. وقال ابن عطية: معناه أصلُ بنيانٍ كالسُّور ونحوه. قال: ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ جَدْر النخيل، أي: أو مِنْ وراءِ نخيلهم. وقرئ: {جَدَر} بفتحتين حكاها الزمخشريُّ، وهي لغةٌ في الجِدار أيضًا.
قوله: {بَيْنَهُمْ} متعلِّقٌ بشديد و{جميعًا} مفعولٌ ثانٍ، أي: مجتمعين و{قلوبُهم شَتَّى} جملة حاليةٌ أو مستأنفةٌ للإِخبار بذلك. والعامَّةُ على {شتى} بلا تنوينٍ لأنَّها ألفُ تأنيثٍ. ومِنْ كلامهم: (شتى تَؤُوب الحَلَبةُ)، أي: متفرِّقين. وقال آخر:
إلى اللهِ أَشْكو فِتْنَةً شَقَّت العِصا ** هي اليومَ شَتَّى وهْي أَمْسِ جميعُ.

وقرأ مبشر بن عبيد {شتىً} منونة، كأنه جعلها ألفَ الإِلحاق.
{كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)}
قوله: {كَمَثَلِ الذين}: خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: مثلُهم مثلُ هؤلاء. و{قريبًا} فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ بالتشبيه المتقدم، أي: يُشَبِّهونهم في زمنٍ قريب سيقع لا يتأخر، ثم بَيَّنَ ذلك بقوله: {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ}. والثاني: أنه منصوبٌ ب {ذاقوا}، أي: ذاقوه في زمنٍ قريب سيقع ولم يتأخَّرْ. وانتصابُه في وجهَيْه على ظرف الزمان. وقوله: {كَمَثَلِ الشيطان} [الحشر: 16] كالبيان لقوله: {كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ}.
{فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)}
قوله: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ}: العامَّةُ على نصب {عاقَبَتَهُما} بجَعْلِه خبرًا، والاسمُ {أنَّ} وما في حَيَّزها؛ لأنَّ الاسمَ أَعْرَفُ مِنْ {عاقبتَهُما}. وقد تقدَّم تحريرُ هذا في آل عمران والأنعام. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن أرقم برفعِها على جَعْلِها اسمًا، و{أنَّ} وما في حَيِّزها خبرًا كقراءة {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قالواْ} [الأنعام: 23].
قوله: {خَالِدَينَ} العامَّةُ على نَصْبِه حالًا من الضمير المستكنِّ في الجارِّ لوقوعِه خبرًا. وعبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن أبي عبلة برفعِه خبرًا، والظرفُ مُلْغَى فيتعلَّق بالخبر، وعلى هذا فيكون تأكيدًا لفظيًا للحرفِ وأُعيد معه ضميرُ ما دَلَّ عليه كقوله: {فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا} [هود: 108] وهذا على مذهب سيبويه فإنه يُجيز إلغاءَ الظرفِ وإنْ أُكِّدَ، والكوفيون يَمْنَعونَه وهذا حُجَّةٌ عليهم. وقد يُجيبون: بأنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الظرفَ في هذه القراءة مُلْغَى، بل نجعلُه خبرًا ل {أنَّ} وخالدان خبرٌ ثانٍ، وهو مُحْتمِلٌ لِما قالوه إلاَّ أنَّ الظاهرَ خلافُه.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)}
قوله: {وَلْتَنظُرْ}: العامَّةُ على سكونِ لامِ الأمرِ. وأبو حيوة ويحيى بنُ الحارث بكسرِها على الأصل. والحسنُ بكسرها ونصبِ الفعل، جَعَلَها لامَ كي، ويكونُ المُعَلَّلُ مقدرًا، أي: ولْتنظر نفسٌ حَذَّركم وأَعْلمكم. وتنكيرُ النفسِ والغدِ. قال الزمخشري: أمَّا تَنْكيرُ النفسِ فلاستقلالِ الأنفسِ النواظرِ فيما قَدَّمْنَ للآخرةِ، كأنه قيل: لتنظرْ نفسٌ واحدةٌ. وأمَّا تنكيرُ الغد فلتعظيمِه وإبهامِ أَمْرِه كأنه قيل: لِغدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لعِظَمِه.
وقوله: {واتقوا الله} تأكيدٌ: وقيل: كُرِّر لتغايُرِ متعلَّق التَّقْوَيَيْنِ فمتعلَّقُ الأولى أداءُ الفرائضِ لاقترانِه بالعمل، والثانيةِ تَرْكُ المعاصي لاقترانِه بالتهديد والوعيدِ، قال معناه الزمخشري.
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)}
قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ}: العامَّةُ على الخطابِ. وأبو حيوة بالغَيْبة على الالتفاتِ.
{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)}
قوله: {أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون}: كالتفسير لنفي تساوِيْهما. و{هم} يجوزُ أَنْ يكونَ فَصْلًا، وأَنْ يكونَ مبتدأ، فعلى الأول الإِخبارُ بمفردٍ، وعلى الثاني بجملة.
{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القرآن عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)}
قوله: {خَاشِعًا}: حالٌ؛ لأن الرؤيةَ بَصَرية. وقرأ طلحة {مُصَّدِّعًا} بإدغام التاء في الصاد.
وأبو ذر وأبو السَّمَّال {القَدُّوس} بفتح القاف. وقرأ العامة: {المُؤْمِنُ} بكسر الميم اسمَ فاعل مِنْ آمَن بمعنى أَمَّن. وأبو جعفر محمد بن الحسين وقيل ابن القعقاع: بفتحها. فقال الزمخشري: بمعنى المُؤْمَنِ به على حَذْفِ حرف الجر، كما تقول في قومَ موسى مِنْ قوله: {واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] المختارون. وقال أبو حاتم: لا يجوزُ ذلك، أي: هذه القراءة؛ لأنه لو كان كذلك لكان (المؤمَنُ به) وكان جارًّا، لكن المؤمَنَ المطلقَ بلا حرفِ جر يكون مَنْ كان خائفًا فأُمِّنَ. فقد رَدَّ ما قاله الزمخشريُّ.
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السلام الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)}
قوله: {الجبار}: اسْتَدَلَّ به مَنْ يقول: إن أمثلةَ المبالغةِ تأتي من المزيدِ على الثلاثةِ، فإنه مِنْ أَجْبَرَه على كذا، أي: قهره. قال الفراء: ولم أسمع فعَّالًا مِنْ أَفْعلَ إلاَّ في جَبَّار وَدَّراك مِنْ أدرك. انتهى. واسْتُدْرك عليه: أَسْأَر فهو سَأر. وقيل: هو من الجَبْر وهو الإِصلاحُ. وقيل: مِنْ قولهم نَخْلَةٌ جَبَّارة، إذ لم تَنَلْها الجُناةُ. قال امرؤ القيس:
سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُه ** وعالَيْنَ قِنْوانًا مِن البُسْر أَحْمرا

{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)}
قوله: {المصور}: العامَّةُ على كسرِ الواوِ ورفعِ الراءِ: إمَّا صفةً، وإمَّا خبرًا. وقرأ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن وابن السَّمَيْفَع وحاطب بن أبي بَلْتعة بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجُها: على أن يكونَ منصوبًا بالباري والمُصَوَّر هو الإِنسانُ: إمَّا آدمُ، وإمَّا هو وبنوه. وعلى هذه القراءة يَحْرُم الوقفُ على {المصوَّر} بل يجب الوصلُ ليظهرَ النصبُ في الراء، وإلاَّ فقد يُتَوَهَّمُ منه في الوقفِ ما لا يجوزُ. ورُوي عن أمير المؤمنين أيضًا فَتْحُ الواوِ وجَرُّ الراءِ. وهي كالأُولى في المعنى، إلاَّ أنه أضاف اسمَ الفاعل لمعمولِه تخفيفًا نحو: الضاربُ الرجلِ. والوقف على المصوَّر في هذه القراءة أيضًا حرامٌ. وقد نَبَّه عليه بعضُهم. وقال مكي: ويجوز نصبُه في الكلام، ولابد مِنْ فتح الواوِ، فتنصبُه بالباري، أي: هو اللهُ الخالقُ المصوَّر، يعني آدمَ عليه السلام وبنيه. انتهى. قلت: قد قرئ بذلك كما تقدَّم، وكأنه لم يَطَّلِعْ عليه. وقال أيضًا: ولا يجوز نصبُه مع كسرِ الواوِ، ويُرْوى عن علي رضي الله عنه. يعني أنه إذا كُسِرَت الواوُ كان من صفاتِ اللهِ تعالى، وحينئذٍ لا يَسْتقيم نصبُه عنده؛ لأنَّ نَصْبَه باسمِ الفاعلِ قبلَه. وقوله: (ويُروى)، أي: كسرُ الواوِ ونصبُ الراء. وإذا صَحَّ هذا عن أمير المؤمنين فيتخرَّج على أنه من القطع. كأنه قيل: أَمْدَحُ المصوِّر كقولهم: (الحمدُ لله أهلَ الحمد) بنصب أهلَ، وقراءة مَنْ قرأ {للَّهِ رَبَّ العالمين} [الفاتحة: 1] بنصب {ربَّ} قال مكي: و{المصوِّر}: مُفَعِّل مِنْ صَوَّر يُصَوِّرُ، ولا يحسُنُ أَنْ يكونَ مِنْ صار يَصير؛ لأنه يلزمُ منه أَنْ يقال: المُصَيِّر بالياء. ومثلُ هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضًا. اهـ.